مدينة موسكو

الروس وأصولهم على ضوء عمل المسعودي

(( مروج الذهب ومعادن الجوهر ))

بقلم الدكتور عمر شعار

من هم الروس ؟ هل ينتمون عرقيا إلى القبائل النورماندية الجرمانية ؟ وما هي علاقتهم بالقبائل السلافية ( الصقالبة ) أو القبائل السكيفية ذات الأصول الإيرانية  ؟ حول هذه الأسئلة وغيرها من الاحتمالات تدور حوارات حامية الوطيس في أوساط المؤرخين الروس والأجانب المتخصصين بتاريخ شعوب أوروبا الشرقية منذ ثلاثة قرون  وحتى وقتنا الراهن . وبلا شك تتضمن هذه الحوارات إسقاطات فكرية ودينية وسياسية وجيوبوليتيكية تبرز بشكل حاد على السطح السياسي الروسي في المراحل التاريخية الانعطافية في سياق الإجابة على السؤال الكبير : هل الدولة الروسية تنتمي حضاريا إلى الحضارة الأوروبية الغربية أم إلى الحضارة الآسيوية الشرقية  ؟ . وكدلالة على أهمية وحساسية موضوع أصول الروس في وقتنا الراهن تكفي الإشارة إلى أن صحيفة الإزفيستيا الروسية المعروفة أفردت له صفحتها الرئيسية الأولى بتاريخ ( 17/1/2004 ) قدمت حوارا مطولا مع الأكاديمي ساخاروف مدير معهد تاريخ روسيا التابع لأكاديمية العلوم الروسية .
   في العهود القيصرية تبنت الجهات الرسمية الروسية النظرية (( النورماندية )) معتمدة في ذلك على مخطوطة (( رواية الأعوام السالفة )) التي كتبها القس نيستور في نهاية القرن الثاني عشر وأكد فيها على أن الروس هم مجموعة من قبائل (( الفارياغ )) النورماندية الجرمانية الشمالية التي سيطرت بقيادة زعيمها (( ريوريك )) في بداية القرن العاشر الميلادي على القبائل السلافية (( الصقالبة )) المتناحرة المستوطنة في حوض نهر الدنيبر وأن (( الروس الفارياغيين )) لعبوا دورا أساسيا في تشكيل دولة (( كييف الروسية )) القديمة وشكلوا فيها لاحقا النخبة الحاكمة العليا ممثلة في سلالة (( ريوريك )) التي حكمت الدولة الروسية حتى نهاية القرن السادس عشر عندما توفى (( ديمتري )) ابن ايفان الرابع (( الرهيب )) آخر قيصر من هذه السلالة ودخلت الدولة الروسية على أثر ذلك في مرحلة الفتنة (( سموتا )). وفي عام 1613 انتقلت زمام السلطة في الدولة الروسية إلى اسرة (( رومانوف )) القيصرية (1).
    في منتصف القرن الثامن عشر وعلى أثر تشكل الإمبراطورية الروسية تأسست النظرية (( السلافية )) على أيدي العالم الروسي الموسوعي لومونوسوف الذي رفض النظرية (( النورماندية )) وأكد على الأصول التاريخية السلافية لروسيا معبرا بذلك عن بداية بزوغ الشعور القومي السلافي وطموح الدولة الروسية لتزعم الشعوب السلافية  وخاصة الأرثوذكسية في مواجهة الدول الأوروبية الغربية والإمبراطورية العثمانية،   وقد ازدهرت النظرية (( السلافية )) القومية في النصف الثاني للقرن التاسع عشر وأصبحت سائدة في أوساط المثقفين والسياسيين الروس وحظيت بتأييد قوي من الكنيسة الروسية الأرثوذكسية . 
  في العهد السوفيتي تبنى الشيوعيون النظرية (( السكيفية )) ومفادها أن الروس والسلاف ينتمون إلى القبائل السكيفية والسارماتية ذات الأصول الإيرانية  التي كانت تقطن في جنوب أوكرانيا على السواحل المطلة على البحر الأسود في الألف الأولى قبل الميلاد والتي ذكرها هيرودوت في كتاباته التاريخية . وبذلك أراد الشيوعيون السوفييت أن يربطوا الروس بالشعوب المحلية القديمة ورفضوا بشدة مقولة (( الروس الفارياغيين )) الوافدين إلى منطقة حوض نهر الدنيبر . ويعتبر الأكاديمي السوفييتي ريباكوف أبرز ممثلي النظرية (( السكيفية )) (2) .
   في مرحلة البيروسترويكا وعلى أثر اشاعة الحريات الديمقراطية ورفع القيود عن حرية الفكر ظهرت آلاف الدراسات المكرسة لهذا الموضوع التي تتمحور حول وجهتي النظر الأساسيتين : (( النورماندية )) ، حيث يتبناها  ممثلو التيار الليبرالي التغريبي ، و (( السكيفية ))،إذ يدافع عنها ممثلو التيارات القومية والشيوعية .
   بعد هذا العرض الموجز للخلفية التاريخية والسياسية لهذه الإشكالية يبرز السؤال التالي : ما هي علاقة المسعودي بهذا الموضوع الشائك ؟ الإجابة على هذا السؤال تنحصر في أن أغلب المؤرخين الروس يستشهدون بأعمال المؤرخين والرحالة العرب المسلمين وبالأخص بعمل المسعودي (( مروج الذهب ومعادن الجوهر)) الذي زار المنطقة في النصف الأول من القرن العاشر الميلادي . وقبل التوقف عند ما كتبه المسعودي حول الروس وأصلهم وعلاقاتهم مع السلاف ( الصقالبة ) لابد من التعرض لخصوصية جغرافية المنطقة التي ، بدونها يتعذر فهم وتفسير نصوص المسعودي حول هذا الموضوع .
    تتميز المنطقة التي شهدت ولادة دولة(( كييف الروسية القديمة )) في القرن العاشر الميلادي بوضعية جغرافية فريدة من نوعها ، فهي شبه مغطاة بالغابات ومليئة بالبحيرات والمستنقعات والأنهار الصغيرة والمتوسطة وفيها تجري ثلاثة أنهار كبرى : الفولغا ( اتيل ) والدنيبر ودفينا الغربي المتصلة مع بعضها البعض من خلال المنبع من ناحية وتصب في بحارمختلفة . فهذه الأنهار الثلاثة تنبع من منطقة واحدة وهي منطقة الفالداي الواقعة في مقاطعة نوفغراد الروسية ، التي تقع شمال غرب موسكو على بعد أربعمائة كيلو متر . وفي هذه المنطقة يقع منبع نهر الفولغا ( اتيل ) الذي ينحدر نحو الشرق ومن ثم ينعطف نحو الجنوب ليصب في بحر قزوين . ومنها  ينبع نهر الدنيبر الذي ينحدر نحو الجنوب ويصب في البحر الأسود . وفيها أيضا يقع منبع نهر دفينا الغربي الذي يتجه نحو الغرب ويصب في بحر البلطيق . وبذلك نلاحظ أن البحار الثلاثة : البلطيق والأسود وقزوين مرتبطة بعضها ببعض منذ أقدم العصور من خلال الملاحة النهرية في أحواض الأنهار الثلاثة : الفولغا والدنيبر ودفينا الغربي . وهذا الواقع الجغرافي يجب أخذه بعين الاعتبار عند دراسة مسألة أصول الروس وعلاقاتهم مع شعوب وقبائل المنطقة في القرنين التاسع والعاشر الميلاديين . 

تعود الأهمية التاريخية الاستثنائية لما كتبه المؤرخ والجغرافي العربي الكبير المسعودي في عمله المشهور (( مروج الذهب ومعادن الجوهر )) حول شعوب أوروبا الشرقية إلى كون المصادر التاريخية المكتوبة المتعلقة بشعوب أوروبا الشرقية نادرة للغاية وتنقسم إلى مجموعتين :
 الأولى : ما ورد في أعمال المؤرخين والجغرافيين والرحالة العرب المسلمين .
الثانية : الكتابات والوثائق البيزنطية وبالأخص وثائق الكنيسة اليونانية .
  وتنحصر أسباب ندرة المصادر التاريخية المكتوبة المتعلقة بشعوب أوروبا الشرقية في الألف الميلادية الأولى في أمرين:
الأول ، أن أغلبية شعوب أوروبا الشرقية في تلك المرحلة ، بإستثناء شعوب اللان ومملكة السرير والأرمن والخزر والبُلغار ،لم تكن تمتلك في ذلك الحين كتابة خاصة بها ، وبالتالي لم يكن لديها مصادر تاريخية مكتوبة . ويتوجب أن ننوه هنا إلى أن إمارة كييف الروسية اعتمدت الأبجدية الكيريلية بعد أن اعتنقت المسيحية رسميا في نهاية الألف الأولى الميلادية (988 م ) . أما قبل هذا التاريخ لا تتوفر معلومات حول طبيعة الأبجدية التي كانوا يكتبون بها الروس . ويحتمل أن بعض الشعوب كان لديها أبجدية ومصادر تاريخية مكتوبة خاصة بها ولكنها أتلفت وتعرضت للدمار. وهذا الأمر وارد  إذا أخذنا بعين الاعتبار الأمر الثاني ، وهو أنه في الألف الميلادية الأولى شهدت منطقة شرق أوروبا حروبا تدميرية متوالية بنتيجة ما يطلق عليه المؤرخون عصر (( هجرات الشعوب الكبرى )) التي جرت في تلك المرحلة . والمقصود بذلك هو زحف قبائل الجرمان من شمال أوروبا إلى جنوبها وشرقها ، ومن ضمنها زحف قبائل القوط إلى شرق أوروبا في القرنيين الثالث والرابع الميلاديين ، ومن ثم هجرة قبائل الهون في القرنيين الرابع والخامس الميلاديين من أقاصي آسيا إلى شرق أوروبا وتمركزهم في هذه المنطقة ، ومن ثم هجرات القبائل التركية المتوالية على مدى النصف الثاني من الألف الأولى الميلادية من أواسط آسيا ( القبائل التركية الغربية وقبائل البجناك والقفجاق وغيرها ) والتي تمركزت أيضا في شرق أوروبا التي كانت في تلك المرحلة بمثابة منطقة عبور واستيطان من الشرق إلى الغرب وبالعكس . وقد ترافقت عمليات هجرات الشعوب المتوالية ، التي ذكرناها ، بحروب تميزت بطابع الإبادة ودمج الشعوب والتدمير الشامل لكافة الكيانات السياسية القديمة ونشوء كيانات سياسية جديدة اتسمت بتدمير الأوابد الحضارية القديمة ومن ضمنها الوثائق والكتابات التاريخية . و بنتيجة عمليات الهجرة هذه كان تركيب سكان شرق أوروبا في نهاية الألف الميلادية الأولى متنوعا للغاية وبالغ التعقيد .
  لقد احتك العرب المسلمون  بشعوب أوروبا الشرقية قبل عملية تشكل دولة كييف الروسية القديمة بفترة زمنية طويلة نسبيا ، فقد تعرف العرب المسلمون على أراضي أوروبا وآسيا في القرنيين السابع والثامن الميلاديين خلال المعارك العسكرية التي خاضوها ضد الدولتين الفارسية والبيزنطية وأيضا ضد الخاقانية الخزرية . ففي خلال فترة زمنية قصيرة توسعت حدود الخلافة العربية الإسلامية وشملت مساحات من قارات آسيا وأفريقيا وأوروبا امتدت من اسبانيا في الغرب إلى أواسط آسيا في الشرق ومن ضمنها شعوب ما وراء القفقاس ( أرمينيا وجيورجيا ) حيث انضوت تحت لواء الخلافة العربية الإسلامية شعوب تنتمي إلى مختلف الأعراق والأجناس . وهيمنت الدولة العربية الإسلامية على معظم الطرق وخطوط المواصلات التجارية التاريخية ومن ضمنها طريق الحرير العظيم . ولذلك برزت أمام الدولة العربية الإسلامية مسألة الاهتمام بالعلوم الجغرافية والتاريخية وتطويرها بالاعتماد على المراكز العلمية التي كانت موجودة في المدن التاريخية ( الاسكندرية  ودمشق وطبرستان وسمرقند وغيرها ) . ومع تطور كافة العلوم في ظل الخلافة العربية الإسلامية ازدهرت العلوم الجغرافية والتاريخية .
   فيما يتعلق بجغرافية أوروبا الشرقية وتاريخ شعوبها توجد في الأدبيات الجغرافية العربية الإسلامية عدة مدارس أهمها مدرستا العالمين الجغرافيين البلخي و الجيهاني . ففي أدبيات هاتين المدرستين نجد معلومات جغرافية وتاريخية فائقة الأهمية حول طريق الفولغا – البلطيق التجاري وحول الأوضاع الاجتماعية للقبائل والشعوب القاطنة في هذه المنطقة ومن ضمنها الروس والصقالبة ( السلاف ) ونجد وصفا لخصائص أوضاعهما الاقتصادية وعاداتهما ومعتقداتهم الدينية .
   تميزت مدرسة البلخي في سلسلة أدبياتها ( الممالك والمسالك ) باهتمامها بالطرق وخطوط المواصلات التجارية البرية القديمة وبمحدودية معلوماتها الجغرافية حول البحار ، حيث لم يعرف ممثلو مدرسة البلخي شيئا حول وجود البحر الأسود وبحر أزوف ، وعوضا عن هذين البحرين يذكرون خليج القسطنطينية الذي كانوا يعتقدون أنه يمتد بشكل مباشر إلى الشمال حتى نهاية العالم .
 وحتى بداية القرن العاشر الميلادي كانت المعلومات التاريخية والجغرافية  المتعلقة بشعوب أوروبا الشرقية محدودة أيضا في أدبيات مدرسة الجيهاني، ولكن في النصف الأول من هذا القرن توسعت المعلومات المتعلقة بهذه المنطقة بفضل حدثين مهمين :
الأول زيارة ابن فضلان إلى منطقة حوض الفولغا  والتي وصفها في رسالته.
الثاني زيارة المسعودي إلى منطقة القفقاس في العقد الرابع من القرن العاشر الميلادي .
  تكتسب المصادر التاريخية والجغرافية العربية أهمية علمية استثنائية وبشكل خاص عمل المسعودي (( مروج الذهب ومعادن الجوهر)) ، وأهميته لا تنحصر فقط في أن مؤلفه يعد من أبرز العلماء المؤرخين        و الجغرافيين العرب المسلمين ويتمتع بسمعة علمية عالية المستوى واحترام كبير في الأوساط العلمية العالمية التي تطلق عليه لقب (( هيرودوت العرب )) ، وإنما تنحصر أهمية عمله أيضا في أنه لم يكتب في (( مروج الذهب  )) حول شعوب أوروبا الشرقية فقط بالاعتماد على ما كتبه الآخرون من الجغرافيين والمؤرخين ، بل استقى المسعودي معلوماته من خلال تجربته الخاصة بعد أن تواجد شخصيا في منطقة القفقاس وتجول في أرجائها في العقد الرابع من القرن العاشر الميلادي .

 
1) الروس وأصولهم على ضوء عمل المسعودي (جزء 1)
2) الروس وأصولهم على ضوء عمل المسعودي (جزء 2)
3) الروس وأصولهم على ضوء عمل المسعودي (جزء 3)
ﺢﻠﺑ ﻉﺎﺼﻣﺓ ﺎﻠﺜﻗﺎﻓﺓ ﺍﻸﺳﻼﻤﻳﺓ 2006
جميع الحقوق موف موسكو – حلب
.Powered by Arabi.ru Corp